أخبار وطنية التلميذة ملاك سعد تكتب: "حين يحتاج أبناؤنا إلى حصن آمن.. لا إلى بيت يخافون العودة إليه"
لم تعد تربية الابناء في زمننا مهمة يمكن اختزالها في النصح والمنع والمراقبة. فالعالم الذي يكبرون فيه أوسع من أن تحيط به أعين الآباء، وأسرع من أن تلاحقه رقابتهم. مؤثرات تتدفق من كل مكان، وصحبة قد تترك أثرا عميقا، وأفكار تصل الى أبنائنا قبل أن نتهيأ نحن لمناقشتها معهم.
وفي خضم هذا كله، يصبح السؤال الأهم: كيف نحصن أبناءنا حين لا نكون إلى جانبهم؟
ربما تبدأ الإجابة من البيت، فالبنت التي تجد في أمها أذنا تسمعها قبل أن تحاكمها، وقلبا يحتويها حين تخطئ، وعقلا يضيء لها الطريق حين تحتار، تكون أكثر قدرة على التمييز والإختيار، وأقل حاجة إلى البحث عن الفهم والقبول خارج أسرتها.
ليس المطلوب من الأم أن تتنازل عن دورها التربوي، ولا أن تتحول الى صديقة بالمعنى الذي يلغي الحدود. بل أن تكون قريبة بما يكفي لكي تعرف ابنتها أن الحديث معها ممكن، وأن السؤال لا يستحق الخوف، وأن الإعتراف بالخطأ لا يعني فقدان الحب.
فكم من فتاة لم تكن تبحث عن الخطأ بقدر ما كانت تبحث عن من يفهمها؟
وكم من علاقة بدأت بصداقة عابرة، ثم تحولت الى تأثير عميق من بعض الأصدقاء لأنها وجدت خارج البيت مساحة من الاهتمام لم تجدها في الداخل؟
إن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى من يقول لهم ما هو الصواب، بل يحتاجون إلى من يعلمهم كيف يكتشفون الصواب بأنفسهم، وكيف يميزون بين من يريد لهم الخير ومن يريد استغلال حاجتهم إلى القبول والإنتماء.
وهنا يأتي دور الأب ايضا، فالأبوة ليست حضورا ماديا في البيت فحسب، وليست سلطة تظهر عند الخطأ. الأب حاضر في الطريقة التي ينظر بها الى أبنائه، وفي المساحة التي يمنحهم إياها للحديث، وفي قدرته على أن يكون حازما دون قسوة، وأن يصحح دون أن يهدم، وأن يضع الحدود دون أن يغلق ابواب الحوار.
وعلموا أبناءكم أن الرجولة أخلاق قبل أن تكون قوة، وأن كرامة بنات الناس من كرامتهم، فلا يقبلون على غيرهم ما لا يرضونه لأخواتهم وأهلهم.
ولعل أخطر ما يمكن ان يحدث داخل الاسرة أن يصبح الخطأ سببا للخوف بدل أن يكون فرصة للتعلم.
حين يخشى الابن او الابنة من ردة فعل الأسرة، قد لا يختار الاعتراف، بل الاخفاء. وقد لا يطلب النصيحة، بل يبحث عنها في مكان اخر. وهنا تبدأ المسافة في الاتساع شيئا فشيئا، حتى يصبح الوالدان آخر من يعلم بما يحدث في حياة أبنائهما.
وهذا لا يعني أن نربي أبناءنا بلا حدود، أو أن نخلط بين الإحتواء والتساهل.
فالإحتواء لا يلغي المحاسبة، والحوار لا يلغي الحزم، والرحمة لا تعني تبرير الخطأ.
إنما الفرق ان يشعر الإبن، حتى وهو يحاسب، بانه لا يزال محبوبا، وأن الخطأ لا يسلبه مكانه في أسرته، وأن العقوبة ليست انتقاما، بل جزء من التربية، وأن العودة إلى البيت تظل ممكنة مهما تعثر.
نحن لا نستطيع أن نكون إلى جانب أبنائنا في كل لحظة. لا نستطيع أن نختار لهم كل صديق، ولا أن نراقب كل كلمة يسمعونها، ولا أن نمنع عنهم كل تاثير قد يصل اليهم.
لكننا نستطيع ان نمنحهم شيئا يبقى معهم حين نغيب:
وعيا يحميهم، وقيما تهديهم، وثقة بأنفسهم، وعلاقة بأسرتهم تجعلهم يلجؤون إليها حين تضيق بهم السبل.
أيها الآباء والأمهات، اقتربوا من أبنائكم قبل ان تضطروا الى البحث عنهم.
تحدثوا إليهم قبل ان تتحدث إليهم الحياة بطريقتها القاسية.
اسمعوا مخاوفهم قبل أن تتحول إلى أسرار.
اعرفوا عالمهم بدل أن تكتفوا بالحكم عليه.
علموهم أن الحرية مسؤولية، وأن الصداقة اختيار، وأن الكرامة حدود، وأن ليس كل من يبتسم لهم جديرا بثقتهم.
وفي المقابل، علموهم أن البيت ليس مكانا يعودون إليه فقط حين تسير الأمور على ما يرام، بل هو المكان الذي يمكنهم ان يعودوا إليه خصوصا حين يخطئون.
فالأبناء لا يحتاجون إلى بيت يخافون فيه من الاعتراف، بل الى بيت يتعلمون فيه كيف يصلحون أخطاءهم.
وفي زمن تتعدد فيه المخاطر وتتسع فيه دوائر التأثير، قد لا تكون الحماية الحقيقية في أن نمسك بأيدي أبنائنا طوال الوقت، وإنما في أن نربيهم على أن يمسكوا بأيدي أنفسهم حين نغيب.
فلنمنح أبناءنا بيتا لا يخافون العودة اليه ،فربما كان ذلك البيت بما يحمله من حب ووعي وحوار أقوى حصن يمكن أن نحمله معهم إلى العالم.